الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

12

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الآية ( 22 ) من سورة البروج : بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ . والآن ، لنر ما هو المراد من " أم الكتاب " ، أو " اللوح المحفوظ " ؟ " الأم " في اللغة تعني أصل كل شئ وأساسه ، وإنما يقول العرب للأم أما لأنها أساس العائلة ومأوى الأولاد ، وعلى هذا فإن ( أم الكتاب ) يعني الكتاب الذي يكون أساسا لكل الكتب السماوية ، وهو ذلك اللوح المحفوظ لدى الله سبحانه ، والمصون من كل تغيير وتبديل وتحريف . . إنه كتاب علم الله المحفوظ لديه ، والذي أدرجت فيه كل حقائق العالم ، وكل حوادث الماضي والمستقبل ، وكل الكتب السماوية ، ولا يستطيع أي أحد أن يصل إليه ويعلم ما فيه ، إلا إذا أراد الله سبحانه أن يعلم أحدا بالمقدار الذي يريده عز وجل . وهذا وصف عظيم للقرآن الذي ينبع من علم الله اللامتناهي ، وأصله وأساسه لديه سبحانه ، ولهذا يقول في الصفة الثانية : ( لعلي ) وفي الثالثة ( حكيم ) . إن الشئ الذي ينبعث من علم الله اللامتناهي يجب أن يكون بهذه الصفات . وأعتقد البعض أن سمو القرآن وعلو مقامه نابع من أنه فاق كل الكتب السماوية ، ونسخها جميعا ، وهو في أرفع مراتب الإعجاز . واعتبر البعض الآخر علو القرآن لاحتوائه على حقائق لا تدركها أفكار البشر ، وهي بعيدة عن مدى ما تستوعبه عقولهم - إضافة إلى الحقائق التي يفهمها الجميع من ظاهر القرآن . ولا تتضارب هذه المعاني فيما بينها حيث تجتمع كلها في مفهوم ( علي ) . وهنا مسألة تستحق الانتباه ، وهي أن ( الحكيم ) صفة للشخص عادة ، لا الكتاب ، لكن لما كان هذا الكتاب السماوي بنفسه معلما عظيما وناطقا بالحكمة ناشرا لها ، فإن هذا التعبير في محله تماما . وقد وردت كلمة " الحكيم " بمعنى المستحكم الحصين أيضا ، وكل هذه المعاني جمعت في اللفظة المذكورة ، وهي صادقة في شأن القرآن الكريم ، لأنه حكيم بكل